أبي علي الحسن بن عبد الغفار الفارسي
مقدمة 5
الحجة للقرّاء السبعة
2 - معنى الأحرف : قال أهل اللغة : حرف كل شيء ، طرفه ووجهه ، وحافته وحده وناحيته والقطعة منه . والحرف أيضا : واحد حروف التهجّي ، كأنه قطعة من الكلمة . قال الحافظ أبو عمرو الداني : معنى الأحرف التي أشار إليها النبي صلّى اللّه عليه وسلّم هاهنا يتوجه إلى وجهين : أحدهما : أن يعني أن القرآن أنزل على سبعة أوجه من اللغات ، لأن الأحرف جمع حرف في القليل ، كفلس وأفلس . والحرف قد يراد به الوجه ، بدليل قوله تعالى : يَعْبُدُ اللَّهَ عَلى حَرْفٍ [ الحج / 11 ] فالمراد بالحرف هنا الوجه ، أي على النعمة والخير وإجابة السؤال والعافية ، فإذا استقامت له هذه الأحوال اطمأن وعبد اللّه ، وإذا تغيرت عليه ، وامتحنه بالشدّة والضر ترك العبادة وكفر ، فهذا عبد اللّه على وجه واحد ، فلهذا سمّى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم هذه الأوجه المختلفة من القراءات ، والمتغاير من اللغات أحرفا ، على معنى أن كل شيء منها وجه . والوجه الثاني من معناها : أن يكون سمى القراءات أحرفا ، على طريق السعة ، كعادة العرب في تسميتهم الشيء باسم ما هو منه ، وما قاربه وجاوره ، وكان كسبب منه ، وتعلق به ضربا من التعلّق ، كتسميتهم الجملة باسم البعض منها ، فلذلك سمى صلّى اللّه عليه وسلّم القراءة حرفا ، وإن كان كلاما كثيرا من أجل أن منها حرفا من غير نظمه ، أو كسر ، أو قلب إلى غيره ، أو أميل ، أو زيد أو نقص منه ، على ما جاء في المختلف فيه من القراءة . فسمى القراءة إذا كان ذلك الحرف فيها حرفا ، على عادة العرب في ذلك واعتمادا على استعمالها . قلت : وكلا الوجهين محتمل ، إلا أن الأول محتمل احتمالا قويا في قوله صلّى اللّه عليه وسلّم : « سبعة أحرف » أي : سبعة أوجه وأنحاء . والثاني محتمل احتمالا قويا في قول عمر رضي اللّه عنه في الحديث : سمعت هشاما يقرأ سورة الفرقان على حروف كثيرة لم يقرئنيها رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم . أي : على قراءات كثيرة . وكذا قوله في الرواية الأخرى : سمعته يقرأ فيها أحرفا لم يكن نبي اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أقرأنيها . فالأول غير الثاني ، كما يأتي بيانه .